التعليم قضيّة حياة

  • 03.01.2021

تعتبر قضية التعليم في عالمنا الإسلامي من أهم القضايا التي تواجه الحكومات والشعوب على حد سواء، وتبرز القضية بشكل لافت لمن يعيشون في تركيا خاصة اللاجئين أو الوافدين وأعدادهم بعشرات الآلاف.

في العالم الإسلامي ، كنا في السابق لا نعرف اللجوء إلا مع الأخوة الفلسطينين وكنا نبكي ونتباكى عليهم وعلى أحوالهم ؛ أما الآن فنجد وبنسب متفاوته العديد من الجنسيات تعاني من قضية اللجوء أو الهجرة القسرية فهناك السوريون واليمنيون والليبيون والبورميون والإيجور وغيرهم .

والملاحظ في الأمر أن غالبية الدول والأقطار الطاردة للاجئين تنتمي إلى العالم الإسلامي وأن أكثر الدول التي إستقبلت حركة اللجوء هي أيضا من العالم الإسلامي وعلى رأسها تركيا التي إستقبلت وبكرم كبير ولا زالت تستقبل غالبية حركة اللجوء في المنطقة خلال السنوات الماضية

وقد تعاملت الحكومة التركية مع القضية وخصوصا موضوع التعليم بدرجة عالية من الإنفتاح، فقد أتاحت الأماكن المناسبة في المدارس التركية لأبناء اللاجئين والوافدين وبصورة مجانية تماما كما سمحت وبتسامح كبير للجمعيات الخيرية والمنظمات وحتى للمستثمرين بإنشاء المدارس التي تدرس مناهج أجنبية غير المناهج التركية، وهنا يجب ألا ننسى دور المدارس السورية المؤقتة والتي كانت تستغل منشآت وقاعات المدارس التركية لتدريس المنهاج السوري في الفترة المسائية.

وكالمعتاد في مثل هذه الظروف يستغل الموقف ما يمكن أن نطلق عليهم تجار الأزمات ، فبدأت تظهر مشكلة بيع الشهادات الصادرة عن هذه المدارس لدرجة أن أحد الحاصلين على شهادة الثانوية من إحدى المدارس العربية وبمجموع كبير كان لا يعرف كيف يكتب إسمه باللغة العربية والتي من المفترض أنه درس بها وأدى الإمتحان بها أيضا، وهنا أذكر حديث أحد الأخوة الأتراك الذي قال كنا نسمح بإستغلال مدارسنا في الفترة المسائية ونطبع لهم المنهاج السوري الذي يحتوي على موضوعات تتحدث بصورة سلبية عن تركيا ولكن موضوع جودة العملية التعليمية كانت السبب وراء ذلك التراجع.

فما كان من الحكومة التركية إلا أن قامت بفرض سيطرتها ورقابتها على هذه المدارس وغلق المدارس السورية المؤقتة على مراحل ورفضت الإعتراف إلا بالشهادات الصادرة عن المدارس المعترف بها والخاضعة لهذه السيطرة والرقابة بشكل كامل.

وحتى لا نطيل في سرد أحداث سابقة أو مراحل مرت بها قضية تعليم أبناء اللاجئين في تركيا، فلنلخص الموضوع في ثلاثة محاور أساسية ، هي في الأصل أهم مكونات العملية التعليمية:

أولا : أبنية المدارس

ثانيا : المناهج الدراسية التي تدرسها هذه المدارس

ثالثا : المعلمون القائمون بالتدريس في هذه المدارس

بالنسبة للمحور الأول وهو أبنية المدارس فسواء كانت المدرسة ممولة من الجمعيات الخيرية أو إحدى المنظمات الدولية أو حتى لمجموعة من المستثمرين فموقع البناء وتأثيثه ومساحته ودرجة الأمان فيه تخضع لإشتراطات التعليم التركي ولابد أن تلبي الحد الأدني لهذه الشروط والتي في مجملها تعتبر جيدة جدا بالنسبة للطالب.

أما بالنسبة للمحور الثاني والخاص بالمناهج الدراسية التي تدرسها هذه المدارس فهناك شرطا يضعه التعليم التركي وهو موافقة الدولة صاحبة المنهاج على أن تقوم هذه المدرسة بتدريسة ومنح الشهادات الخاصة به وفق قوانين وشروط هذه الدول.

وهنا تبرز مشكلة هامة وهي أن الظروف المحيطة ليست طبيعية ، فنسبة كبيرة من اللاجئين هم معارضون سياسيون في دولهم وتنتهز هذه الدول الفرصة للمكايدة السياسية معهم بفرض شروط تعجيزية لمنح هذه الموافقات أو رفض منحها على الإطلاق مما دفع بعض المستثمرين إلى الحصول على موافقة من جهات ودول بعيدة عن دولهم وثقافتها مثل إنتشار التعليم والمدارس وفق المنهاج الأمريكي أو البريطاني وغيرهما، وهي قضية في غاية الخطورة تهدد الهوية العربية والإسلامية بشكل كبير، فليس من المستغرب أن نجد أبناءنا بعد سنوات قليلة يعرفون عن تاريخ أمريكا وبريطانيا أكثر مما يعرفون عن تاريخهم الإسلامي ، فتغيير الثقافة والهوية هي الخطر المحدق بأبناء اللاجئين الذين يدرسون في هذه المدارس. والمشكلة ستكون أكبر بالنسبة للمهاجرين إلى دول غير إسلامية مثل دول أوروبا الغربية والأمريكتين وقد قلت في أحد اللقاءات أن هذه المشكلة إن لم تجد طريقها إلى الحل فلنستعد من الآن ببرامج تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها تستهدف أبناء المهاجرين إلى هذه الدول والتي سيتعرضون فيها لمخاطر فقدان الهوية واللغة وربما فقدان الدين أيضا.

وقد قامت العديد من المنظمات الدولية مثل اليونسكو ومفوضية اللاجئين بالأمم المتحدة بمحاولات للمساعدة في معالجة هذه المشكلة وإن كانت أيضا لا تهتم بموضوع الهوية والحفاظ عليها بشكل أساسي بل إنصب إهتمامها على التعليم بشكل عام. وبقيت مشكلة الإعتماد والمناهج والمعايير تراوح مكانها بلا حل تقريبا.

ولهذا كان قرار الاتحاد العالمي للمدارس العربية الإسلامية الدولية – عضو منظمة التعاون الإسلامي – والذي يعتبر الجهاز المعني بالتعليم ما قبل الجامعي داخل دول المنظمة – بإنشاء مفوضية للاتحاد لأوروبا وآسيا الوسطى في مدينة إسطنبول التركية للتصدي لهذه المشكلة.

وقد قامت المفوضية بمتابعة الوضع على الأرض فعليا وتم النقاش مع بعض الهيئات والمؤسسات العلمية والجامعات في تركيا وخارجها من أجل إنشاء هيئة معيارية تكون مسئولة عن وضع المعايير ومنح إعتماد إسلامي يوازي الاعتماد الأمريكي أو البريطاني وغيره لمناهج تكون نابعة من الثقافة الإسلامية وتراعي خصوصيتها ويتم الاعتراف بها من كافة دول المنظمة والسعي للإعتراف بها خارج دول المنظمة أيضا.

أما بخصوص المحور الثالث والخاص بالمعلمين الذين يقومون بتدريس المناهج ، فالقانون التركي الواجب إحترامه يلزم المدارس بأن تقوم بالتعاقد مع معلمين يحملون شهادة تربوية تركية ، ولذلك تقوم المفوضية حاليا بالاتفاق مع بعض الجامعات التركية لتدريس هذه الدبلومة ومنحها للدارسين بما يسهل إلتحاقهم بالعمل في مثل هذه المدارس والاستفادة من خبراتهم.

وهنا أحب أن أشير أيضا ‘لى قضية في غاية الأهمية وهي قضية السن بالنسبة للطلاب فكثيرا من المدارس العربية تشترط سنا محددا لا يتعداه الطالب لكي يتقدم لإمتحانات شهاداتها وهذا الأمر قد يكون مناسبا داخل هذه الدول مع أن التوجه العالمي حاليا هو التغاضي عن هذا الشرط لمجابهة مشكلة التسرب من التعليم ومنح الفرصة لمن إنقطع عن التعليم لفترة كي يستأنف تعليمه فما بالنا بمن عانى ويلات الحروب وفقدان المستندات الثبوتية ومرارة التهجير القسري ثم عندما تستقر أموره بعض الشئ لا يستطيع إستكمال تعليمه لأن السن قد تقدم به وبالطبع المدارس التي تدرس المناهج الأمريكية أو البريطانية وغيرها لا تضع هذا الشرط وتتغاضى عنه تماما، وهذا ما يضع على عاتقنا عبئا إضافيا لسرعة إنجاز عملية إنشاء هيئة وضع معايير المناهج للدول الإسلامية والتي يجب أن تضع في إعتبارها هذه الأمور.

إن عملنا الميداني خلال الفترة الماضية علمنا أن الطموحات الكبيرة يتطلب تحقيقها جهودا كبيرة وتعاون الكافة للوصول إلى النتائج المرجوة شرط أن تكون هذه الطموحات واقعية وقابلة للتطبيق بعيدا عن التحليق في خيال لا يصل إلى أرض الواقع ولا علاقة له به ، وهنا أذكر أنني حضرت مؤتمرا في نهاية عام 2017 وكان معنيا بتطوير آليات تعليم اللاجئين السوريين في الداخل السوري وقد تقدمت إحدى الشركات بمشروع للتعليم عن بعد والتعليم الإلكتروني بإستخدام التابلت ، وقد تحمس بعض الحضور للمشروع ودارت النقاشات عن طرق تنفيذه وتمويله وسرعة تطبيقه إلى أن تقدمت أخت سورية تعمل في إحدى جمعيات الإغاثة وقالت إنكم ستصدمون عندما تعلمون أن المناطق المطلوب العمل فيها لا توجد فيها كهرباء منتظمة لشحن التابلت أو لتشغيل الشاشات الذكية ولا يوجد بها غاز للتدفئة والطلاب لا يجدون القرطاسيات اللازمة لدراستهم ولا مقاعد يجلسون عليها بل أن بعضهم لا يجد ما يلبسه من ملابس أو يتغذى عليه كطعام ، وهنا تغير مجرى النقاش إلى أن تكون الحملات المستهدفة لهذه الأماكن مشتركة بين الجمعيات والمنظمات بحيث تلبي كل هذه الإحتياجات الأساسية وتراعي أنه من الضروري أن تكون قضية الإغاثة أو تقديم الدعم لها رؤية شاملة تراعي كل الظروف المحيطة وبشكل واقعي.

وهنا لا يفوتني أن أتوجه بخالص الشكر والتقدير لكل من يتعاون معنا من الأكاديميين الأتراك والمهتمين بقضايا التعليم واللاجئين سواء هيئات أو جمعيات أو جهات رسمية أو علمية أو أفراد فقد وجدنا منهم كل حماس وإيمان بالقضية

إن مفوضية أوروبا وآسيا الوسطى بالاتحاد العالمي للمدارس العربية الإسلامية الدولية – عضو منظمة التعاون الإسلامي ، وبتاريخ ممتد وجهد لقيادات الاتحاد التاريخية مثل المغفور لهما سمو الأمير محمد الفيصل والمغفور له الدكتور توفيق الشاوي غفر الله لهما وجزاهما خير الجزاء  وبرعاية ودعم ومتابعة كاملة من معالي رئيس الاتحاد الأستاذ الدكتور أحمد فريد مصطفى والموجود في تركيا حاليا لمتابعة هذه الأمور وكامل الأمانة العامة لن تدخر وسعا لخدمة قضية التعليم والحفاظ على الهوية في عالمنا الإسلامي وترحب بكل مقترح أو تعاون بأي شكل من الأشكال سواء من المنظمات أو الهيئات أو الأفراد يكون هدفه تقديم منتج تعليمي جيد يليق بأمة قال الله تعالى فيها "كنتم خير أمة أخرجت للناس" صدق الله العظيم

 

د محمد حسن

رئيس مفوضية أوروبا وآسيا الوسطى

الاتحاد العالمي للمدارس العربية الإسلامية الدولية

عضو منظمة التعاون الإسلامي

info@wfaiis-oic.com

 

 

د. محمد حسن Tüm Yazıları

تعليقات