"صَعلُكَة نسائية سورية" في أدب العربية

  • 03.01.2021

د. جورج توما

الولايات المتحدة الأمريكية

 

أستهلُّ هذا المقال بالتنويه إلى أنَّ مصطلح (الصَعْلَكةِ) لا يُقصد به التقزيم والازدراء، أو اعتساف التأويل بما يَحِطُّ من مكانة هذه الحركة الأدبية الجريئة، التي أفرزتها، وتفرزها الأعراف الجائرة في المجتمع من حيث تسلط القائمين على سيادتها، أو تمحور العقل في ادراكاته بأن (الذكورية) قدرٌ إلهيٌّ لا حياد فيه، وليس هنالك من يطاله تبديلاً.

(الصعلكة) كانت عند السلف من خاصية (الذكور). ولكن في مستجدات العصر، نجد (الصعلكة) كامنة حيثما خطفت المرأة بعضاً من إرادتها المسلوبة، لتشكل عصياناً على (سَجَّاني الأنوثة) تحت عباءة الذكر المنزه عن الخطيئة، حتى وإن وقعت، فهو البطل الذي لا تطال الإناث رفعَةً إلا برضاه. وهيهات أنْ يرضى!

مقدمة لا غِنى عنها:

لقد ولَّى عصر الصعاليك بعد القرن السابع الميلادي، ولم يبقَ من أثرهم إلا أخبارهم وبعض أشعارهم المسطورة في كتب الموروث الأدبي. ومن يعود إلى كتب التراث، يلمسُ وصفاً لهذه الظاهرة يجانب حقيقتها بما تحتويه من تقريعٍ ظالم، وتحريفٍ جائر لنوازعهم، صدَرَ عن زعماء القبائل الذين تمرد على ظلمهم هؤلاء "الصعاليك". بيدَ أنَّ الدراسات الأدبية والأنطولوجية المعاصرة تتبنى المعنى الاصطلاحي للصعلوك، فتقول إنَّ (الصعلوك) هو من خرج عن قبيلته لأمرٍ ما، أو خلعته القبيلة بسبب معارضته لجَوْر أسياد القبيلة، أو لكثرة جناياته عليها، فاحترف القتل والفتك والغزو والإغارة، لذلك نجد فريقاً من الصعاليك كانوا يتوجهون إلى قبائلهم والقبائل الأخرى بالسلب والنهب والقتل انتقاماً من النظام القبلي.

وكانت أغلبية هذا الفريق "الصعاليك" من العبيد أو من الْهُجَناء الذين ورثوا السواد من أمهاتهم، على أن آباءهم أحرار، إلا أنهم لم يُلحقوهم بأنسابهم. وربما اجتمع عدد من الصعاليك فيما بينهم فشكلوا جماعة من ثلاثة أو من خمسة مثلاً. لذلك كان المجتمع (آنذاك) ينظر إلى هذه الفئة القليلة جداً نظرة ازدراء، وأن دماءهم كانت مُهدَرة. مما جعل صعاليك هذا الفريق أكثر خوفاً وقلقاً وشراسة ومنهم (تأبط شراً). وهناك فريق ثانٍ تميّزَ بالعقلانية، الأمر الذي أبعدهم عن المنهج التقليدي في قرض قصائدهم، رغم بروز معاني القلق والاضطراب فيها، والمباهاة بالفرار والنجاة فقط، ويظهر في أشعارهم الإشادة الصريحة بكثير من القيم والمبادئ التي يعتدّون بها، ولعل أشهر قصيدة تضمنت القيم الحميدة والخصال الرفيعة النبيلة هي قصيدة (الشنفرى) التي سُميت (لامية العرب) لذلك، ومطلعها:

أقيموا بَني أُمي صدورَ مطيِّكم              فإني إلى قومٍ سواكم لأَمْيَل

أما الفريق الثالث من الصعاليك كانوا أكثر اعتدالاً وأصحاب سياسة تهدف إلى قلب الأنظمة القبلية الجائرة، وإزالة الأسباب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والجغرافية، التي أدت إلى تصعلكهم. وكان على رأسهم عُروة بن الورد العبسي، الذي يُعَدُّ من أشهر صعاليك الجاهلية. لقد كان حراً سيداً في قومه، جمع حوله الصعاليك (الفقراء) وأنفق عليهم، وغزا بالأقوياء منهم، فسُمي أبا الصعاليك. وحين سألته زوجته ذات مرة عن وجهته رد عليها قائلاً:

ذريني للغنى أسعى فإنّي.. رأيتُ الناسَ شرّهم الفقيرُ

وأبعدُهم وأهونُهم عليهم.. وإن أمسى له حَسب وخيرُ

ولكن بعد ظهور الإسلام، بدأ التغير يتجذر في البنية الفكرية عند المجتمعات القبلية العربية، وضعفت ظاهرة الصعلكة الجاهلية، وبقي منها القليل، ففي العصر الإسلامي والأموي نجد مثلاً: مالك ابن الرَّيْب المازني، والقَتّال الكِلابي، وعُبيد الله بن الْحُر الْجُعْفي. وفي العصر العباسي ظهرت فئة أخرى عُرفت باسم العيّارين والشُّطّار.

الصعلكة النسائية في أدب وشعر الحداثة  (أتون الأزمة):

لما كانت سلسلة الأحداث لا تنقطع، بل تأتي متواترة، حيث يتكرر (الحدثُ) اليوم في شكلٍ وقالبٍ مختلفين، ينسجمان مع معايير القيم المَوسُومة بالتغيير والتطور، كي تشكل ما نسميه اصطلاحياً ب(التاريخ)، اليوم، تخرج من بوابات الإنترنت بوادر نزعة (صعلكةٍ نَسَويَّةٍ) في المجتمع السوري، يتماهى فيها الجوهر الأدبي لفكرِ (صعاليك الجاهلية)، حيث بدأت بَلوَرة صعلكتَهُّنَ من خلال منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي نفس الوقت تظهر أيضاً صعلكة ذكرية كي تتصدى لها، وتتشبث بالذكورية المطلقة في إمساك زمام المجتمع، ويظهر أيضاً طيف آخر ذكوري، يتماشى بتيار مضاد، يكاد يتقارب أحياناً مع الصعلكة النسوية، ولكن بمعايير الذكورة الحيادية.

لقد أسهمت الأزمة السورية (الكارثية) في استنهاض هذه الصعلكة (الأدبية والشعرية) وانتشارها، خاصة، بين أوساط الشابات والشباب الذين هُجروا قسراً، ووطأت عقولهن وعقولهم أرضيةً ثقافيةً في بلادٍ تقتصر المحرمات (التابو) في أعرافها وقوانينها على الجرائم الجنائية (فقط)، التي تعتبر أنَّ المساس بالحرية الشخصية وحرية المعتقد والفكر بكل أشكاله جريمة إنسانية (جنائية)، وتتنكر قوانين تلك الدول لأعراف القبيلة والعصبيات العرقية والطائفية والمذهبية. وتُساوي ما بين حقوق الذكر والأنثى، بالرغم من اختلافهما البيولوجي، فليس هناك من يتفوق على الآخر إلا بإنتاجه وتفاعله الاجتماعي، دون بَخسِ الآخرينَ من حيث حقوقهم المدنية.

أستطيع القول، إنَّ ظاهرة الصعلكة في المجتمعات السورية الموزعة في القارات السبع، ما زالت في أولى خطواتها بإيقاع مترنح بين (الفضيلة والرذيلة)، بيدَ أن الفضيلة تتغلب في أعظمية عددها على باقي معايير السلوك. و(الصعلكة النسوية السورية) ما فتأت تتسارع - اليوم - نحو البلورة الواضحة (الواعية). وأؤكد هنا على صفة (الواعية)، لأنَّ الوعي هو إدراك الواقع والتدبر الحكيم، بشفافية عقلانية، لا تعتمد على لَبِنَاتِ الموروث إلا بحدود انسجامها مع ذلك الواقع المستجد.

منذ سنوات أربعة، شكلَّ فريق من السوريين الشباب والشابات، فرقة موسيقية في بلد (الاغتراب) لبنان، وأسموها (فرقة الصعاليك السورية). ولكن تَعذر انتقالهم خارج حدود البلد المضيف، جعل نشاطهم يتركز على قدرات صفحات التواصل الاجتماعي أكثر من العروض المباشرة. ولهذا السبب، يبقى عنوانهم (الصعاليك) فكرةً (كالنواة)، لم يتسنَ لهم الإبداع في إبانة جوهرها، ولكن الأيام حبلى كعادتها.

وفي هذا المقال، لا بُدَّ أن أعرضَ بعض ملامح (الصعلكة النسوية السورية)، وأقول (ملامح) لأنَّ من يرى قطاراً يتسارع على سكته، لا يستطيع أن يعرف في أي محطات سيتوقف، وأين منتهى رحلته. وهكذا اليوم، نرى ملامح (صعلكة نسوية سورية)، في خطواتها الأولى، تستحث بنات جنسهنَّ على ركوب ذلك القطار.

سوف أغامر بذكر بعض أسماء رائدات (الصعلكة النسوية)، رغم أني أتوقع أنَّ ذلك سيلفت نظر المتخلفين الذكوريين، الذين ما دأبوا ينشبون مخالب موروثهم العَقَدي، ويذبحوا (الصعلكة) وهي في المهد، بعد أن يَهلّوا عليها باسم الله (تلبساً) قبل أن تقوى على الدفاع عن نفسها. ولكن الحقيقة لا بُدَّ لها أن تتصدى لتتجَاوز تخوم الانحطاط.

كانت افاضة سيدةُ الزبداني (سلام أبو شالة) في رثاء الطفلة (ايلينا)، ابداعاً في تجسيد ألم السوريين وإدانة القتلة:

 

تبحثُ عن سماءٍ

دون طائرات..

دونَ القذائف،

ربما تخطئ مرةً

وتفعلُ ما يريده أطفال البلاد:

ترمي لهم الهدايا والتفاحَ

بدل البراميل المتفجرة

وقطع الشوكولاته بدل غاز السارين!

في القبو / الملجأ

ثمّة عينان صغيرتان..

باكيتان كالوطنِ

حائرتان من الضجيج والعتمةِ

خائفتانِ من بُرهة القصف

تحت أسقف تنهار كلّ لحظةٍ 

لتهرسَ معها قلوباً نابضةً

ولحماً غضاً..

كان قبل برهةٍ.. طفلاً يحلُمُ بالحياة.

إيلينا..

لم ترّ عُصفوراً من قبلُ

إلى أين هاجرت أيضاً.. عصافيرُ البلاد؟!.

لم تذق طعم الموز

لم تلمس قلماً

لا تعرف شكلَ التفاحة

ولا لون الشمس في بلادٍ من رماد.

كلّ ذنوبها..

أنها طفلة سورية

وُلِدت في زمن القتلة!.

 

وشاعرة أخرى، (السيدة إيمان جانسيز) تنشر في موقع (رابطة الكتاب السوريين):

 

أيتها النساء الوحيدات ..

كآخر طلقة في سلاح جندي ..

الحزينات كماء عذب..

العاجزات كقدم مبتورة..

اللاتي يتقنّ دفن الشغف والصلاة عليه..

لم يجربن مرة أن يكنّ البدايات..

يعشن على حواف الحياة..

يصفقن بحرارة لمن يعيشونها ..

ويلتقطن لهم الصور..

صباح الخير لليلتكن البائسة أمس..

لأحلامكن الصغيرة المستحيلة..

لأرحامكن الطازجة..

لزفرات الحسرة..

بين الخيبة والخيبة..

صباح الخير لأنوثتكن المنتظرة..

تطرزن بها مناديل الوقت..

صباح الخير أيتها النساء الوحيدات ..

صباح الخير ياأنا..

باح الخير أيتها الوحدة..

 

ومن الأخريات كالكُثُرٍ، انتصبت (وَجْد / زهرة العوسج) تكتب على صفحتها الفيسبوكية:

 

هذا الشعب لا يتقن سبع لغات

ولا يحتاج لمدرسة في فن الاتيكيت

و لا تغريه أبنية الأسمنت الأخرس

 

هذا الشعب

المصلوب على رائحة البنّ

لا تفتنه البيتزا

ولا موسيقا  الجاز

يكفيه الطوب و قبة طين

 

قبل أن ينبح "غورو" في الشام

كانت كل سرايانا

معتكفة ورد و سنونو و حمام

 وجد
 

وهنالك مئات المواقع وآلاف صفحات التواصل الاجتماعي تزدحم بإبداعات المتصعلكات الجدد، اللواتي ما زلنَّ في خطواتهنَّ الأولى نحو انتاج مكتبةٍ من الدواوين الشعرية والأدبية الواعدة بأن تكون مرآة للفكر والإبداع النسوي السوري خلال فترة نتمنى أن ترى الضوء قريباً بعد أن تجاوزّنَّ ظلمة النفق، والنفاق الذكوري، قبل الاغتراب القسري والهجرة. 

 

الشبكة الاجتماعية

تعليقات